الإثنين , 23 أكتوبر 2017
عــــاجـــــل

ثورة 11 فبراير.. مشروع التغيير الذي حمله الشباب أمريكا وأدواتها في جلباب “الربيع العربي” لماذا ثار “أنصار الله” ضد “صالح” ومن ثم تحالفوا معه؟!

 

ارحل علي العمادبعيدا عن المناكفات السياسية وما يرافقها من جدل عقيم، يجب أن ننظر إلى ثورة 11 فبراير من منظار الموضوعية، وبحكم أنها حدث واقع لا يمكن “للحيل الدفاعية” إنكارها، خاصة أن الإنكار لمثل هكذا أحداث يعد عملية بدائية، وقد يؤثر الإنكار بشكل سيء إذا لم يتم استبداله بالتقبل، لأنه أشبه ما يكون بإنكار مدمن المخدرات والكحول لحقيقة مشكلته وبأنه يستطيع السيطرة إلى أن يتفاقم الوضع ويصل إلى مرحلة سيئة………………………………………… علي العماد*

 

أعتقد أن مثل هكذا موضوع (ثورة 11 فبراير) يحتاج إلى دراسات طويلة ومتعمقة، لكني فضلت أن اختزل ذلك بالإشارة إلى ثمة نقاط مهمة، مع الاحتفاظ بحق القارئ لاستنباط ما تبقى من نقاط.

من المعروف أن نجاح أي مشروع ثوري يسعى للتغيير يعتمد على وجود ثلاث مقومات رئيسة، وهي:

(القيادة، المشروع ،الشعب).. فماذا عن مقومات ثورة 11 فبراير، التي جاءت في إطار المشروع الساعي للتغيير؟.

لقد استهدفت العناصر الثلاثة لثورة فبراير بصورة مدروسة وممنهجة من قبل أقطاب النظام السابق سواء منهم من انضم إلى الثورة أمثال علي محسن وآل الأحمر وبعض الأحزاب التقليدية .. أو من تمسك بشرعية علي صالح وواجه الثورة .. ومن ورائهم جميعا المنظومة الدولية الأمريكية والخليجية التي استبدلت اسم الثورة بالربيع.

فعمدوا جميعا بمكر إلى ضرب هذه المقومات بدأً باستنساخ قادة للثورة من أتباعهم العسكريين والشباب والشيوخ … ثم شوهوا مشروع الثورة فاستبدلوا أهداف الثورة الـ(11) إلى أن ولدوا فارا أسمه المبادرة الخليجية وانتخاب هادي رئيسا … وأخيرا شوهوا أمة الثورة تارة باسم الاختلاط وتارة عبر إحراق خيم الثوار البسطاء باسم إنها تابعة للأمن القومي، ناهيك عما سببته بعض الأحزاب على رأسها “الإصلاح” الذي عمل على أدلجة شباب الثورة، وتصنيفهم، وبمساعدة الجناح العسكري (الفرقة الأولى مدرع) أو الاعتداء عليهم كما حصل لشباب أنصار الله مرارا ومسيرة الحياة .. والأدهى من كل ذلك ما قام به موظفو سفارة الاتحاد الأوروبي وسفير أمريكا من إلهاء للشباب عبر سلسلة من اللقاءات في الكافيهات وسفريات ورش العمل التي شاركت في عدد منها …

إجمالا، وبعد استعراض هذه المقومات (القيادة، الشعب، المشروع ) وموقعها من ثورة 11 فبراير، يتضح جليا كيف انطلقت هذه الثورة بروح شبابية خالصة، كان هدفها التغيير الحقيقي وبناء دولة مدنية عادلة، قبل أن يتم تفخيخها بالأحزاب السياسية التقليدية وقنوات التضليل ومنصات الخطابات، ولأن هذه الأحزاب العتيقة لا تمتلك المشروع الحقيقي للتغيير فقد اقتصر دورها على الاندفاع وبشراهة نحو تقسيم السلطة والثروة على حساب الثورة والدولة والسيادة.

 

أمريكا وأدواتها في جلباب “الربيع العربي”

لكن، كيف استغل الأمريكان ثورات الغضب العربية في تنفيذ مشروعهم التفكيكي (الشرق الأوسط الجديد) من خلال مصطلح (الربيع العربي) ومن هي أدواتهم التي قامت بالمهمة؟.

مما لا شك فيه أن في جعبة الأمريكان والكيان الصهيوني، مشروعا تفكيكيا للمنطقة العربية، تحت مصطلح الشرق الأوسط الجديد، وهو المشروع الذي سوقت له واشنطن بذريعة تغيير ما يعرف بالشرق الأوسط الكبير بوضعه الراهن الذي يقال إن حدوده المفتعلة وغير الطبيعية تقادمت، ولم تعد تصلح للمستقبل. وكان بدأ تداول هذا المصطلح في الميدان السياسي لأول مرة في تل أبيب، في يونيو من عام 2006 على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة غونداليزا رايس.

مع اندلاع ثورات الغضب في عدد من الدول العربية، حرص الأمريكان من خلال إعلامهم وأدواتهم، والأمم المتحدة، وغيرها أن يجعلوا من هذه الثورات التي أطلقوا عليها اسم (الربيع العربي) فرصة لدس مشروعهم في خضم هذه الثورات سعيا منهم استكمال مخطط تفكيك المنطقة، وذلك من خلال التنسيق مع الأنظمة العربية المنبطحة والتنظيمات والأحزاب السياسية التقليدية كـ(الإخوان المسلمين) مثلا، وغيرهم في المنطقة، والذين تبنوا مشاريع وسياسات تفكيكية كما حدث في سوريا واليمن (الأقاليم) أو في ليبيا أو حتى مصر.

لقد استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تستفيد من حالات الاحتقان والغضب الشعبي تجاه بعض الحكام العرب الذين أمضوا عقودا من الزمن يحكمون ويتفرعنون بغطاء ورعاية من واشنطن التي حينما أرادت أن تنفذ مشروعها القائم على تقسيم المنطقة، عملت على إثارة غضب المجتمعات ضد هؤلاء الحكام من خلال وسائل الإعلام.

ربما يبدو الدور الذي لعبته أمريكا والكيان الصهيوني في (الربيع العربي) بسيطا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة قويا، وتكمن قوته في أن أمريكا حرصت أن يتم 90% من عملها في الخفاء، ومن خلف الستار، من خلال تحريك أدواتها، كما يفعل المخرج في “مسرح الدمى” والذي يختبئ أحيانا تحت طاولة و يحرك الدّمى بخيوط، أو يختبئ خلف لوح خشبي و يُدخل يديه في الدمى و يحركها بأصابعه، و يتكلم عن لسانها بأصوات مختلفة حيث يضع في فمه جهازا يُغير الصوت.

وبالإمكان اختصار هذه المعادلة في أن أمريكا التي قامت برعاية أنظمة لعقود من الزمن، منذ ستينيات القرن الماضي، وحتى 2011م، وجدت الفرصة مواتية في ما أسمته (الربيع العربي) لتمرير مشروعها، ومن خلال أدواتها الإعلامية في مقدمتها قناة “الجزيرة” حرصت أمريكا والكيان الصهيوني على الاستفادة من غضب الشعوب الرافضة لهؤلاء الحكام الظلمة للانتقال بمشروع (الشرق الأوسط الجديد) إلى العلن، مستخدمتين الوضع في بعض البلدان العربية كأداة ضغط لإعادة تنظيم المنطقة، وإلى جانب عملها في تقسيم المنطقة، تعمل أيضا على تشويه ثورات الشعوب لتدمر فكرة التغيير والنضال محاولة منها خلق حالة من اليأس لدى الشعوب تجاه تلك التحركات الثورية التي ربما تصحح الأخطاء السابقة.

 

أنصار الله.. مبدأ الثورة والكرامة

 

ربما أن أكثر من تضرر من النظام الحاكم في اليمن، قبل ثورة 11 فبراير، هم “أنصار الله”، والذين تحركوا مع بدء انطلاق الثورة، كحق طبيعي لهم في مواجهة النظام الذي تضرروا منه وتسبب لهم بالأذى أكثر من غيرهم، وهو التحرك الذي كان مهما للغاية، وتبرز أهميته كونه لم يفسح المجال لدمى المشروع الغربي (الربيع العربي) أن تتحرك بحرية وبشكل مستقل في الخارطة السياسية اليمنية.

ولأن الدمى لا تتحرك بإرادتها، فإنه وبعد مضي أكثر من شهر على انطلاق ثورة 11 فبراير 2011م، وبالتحديد في 21 مارس انقسم النظام، والتحق العمود الفقري للنظام السابق “علي محسن الأحمر” و”حزب الإصلاح” الذين انضموا إلى ما أسموه (الربيع العربي)، وفي مصطلح الثوار (ثورة 11 فبراير).

لم تمض إلا أسابيع على انضمام أصحاب (الربيع العربي)، حتى كشفوا وبشكل واضح ومتسرع عن مشروعهم المتمثل في تقاسم السلطة والثروة، وهو ما تم تحقيقه لهم تحت ما سمي بالمبادرة الخليجية، أو بشكل أصح “المبادرة السعودية”، وهذا كان من أبرز التحركات التي حاولت إجهاض الثورة والانحراف بمسارها وجعل البلاد راضخة للوصاية الخارجية، الأمر الذي بات حتميا على أنصار الله النأي بأنفسهم والابتعاد عن هذه التحركات التي تتناقض كليا مع الأهداف السامية التي قامت عليها ثورة 11 فبراير، وهذا ما أكده أنصار الله في بقائهم في ساحة التغيير، وموقف الإصرار على أن يظلوا وبقوة الثورة وغضب الشعب ضمن الخارطة السياسية الرافضة لتحالف نظام ما قبل 2011م، وهو التحالف الذي أعيد تدويره وتكريره بمصفاة “المبادرة الخليجية” التي تم صناعتها برعاية وإشراف من واشنطن، لتأتي متلائمة وضمن أدبيات المخطط والمشروع الأمريكي.

لم يكن غريبا، أن تكون حركة أنصار الله، التي تمتلك القيادة والمشروع الواضح المعبر عن إرادة الأمة، الحركة والجهة الوحيدة التي تمردت على المخطط الأمريكي المسمى (الربيع العربي) ومخلفاته المتمثل بـ”المبادرة الخليجية” مثلا.

لقد استطاعت حركة أنصار الله، أن تكون جزءا رئيسيا من الحراك الثوري، وفي نفس الوقت نأت بنفسها من الوقوع في مستنقع مخططات الخارج، وهو ما تبين في تحركاتها ومواقفها التي تمثلت في عدة خطوات بدءا من رفض المبادرة الخليجية، إلى رفض انتخاب هادي كرئيس للبلاد، ومرورا بما قدمته في مؤتمر الحوار الوطني من رؤية مكتوبة، كانت من أقوى الرؤى التي تحمل المشروع المدني والوطني، بالإضافة إلى رفض حركة أنصار الله للمشروع الأسوأ (الأقاليم)، ورفضها لأي تدخل خارجي في شئون البلاد، وهي المواقف الوطنية الخالصة التي سجلتها الحركة، ودفعت ضريبة ذلك، بتعرضها لعدة مؤامرات رسمت في الخارج، ونفذتها الأدوات بالداخل، بداية من أحداث “الجوف” و”دماج” وما تلاها من عدة معارك انتصرت فيها الحركة، وخاب أمل الخارج بأدواته، وهو ما جعله يلجأ إلى توسيع حجم ونوع المؤامرة من خلال شن الحرب الظالمة والعدوان العالمي الحاصل، وبالرغم من حجم التضحية التي قدمتها الحركة بالكثير من أبناءها إلا أنها مازالت إلى اليوم تؤمن بمبدأ الثورة، وهذا الأمر مستحيل أن تحيد عنه .

 

لماذا ثار “أنصار الله” ضد “صالح” ومن ثم تحالفوا معه؟!

 

بناء على ما سبق تناوله في الحلقات الثلاث السابقة، حول ثورة 11 فبراير، وحالة الرفض للمشروع الخارجي المتمثل بالمبادرة الخليجية وإصرار أنصار الله الوقوف إلى جانب الثوار  والتمسك بمبدأ الثورة وأهدافها، وهي المواقف التي دفع أنصار الله ضريبتها بسبب تمردهم ورفضهم للمخطط الأمريكي السعودي الذي رضخت له القوى السياسية ضاربة بأهداف الثورة عرض الحائط، في حين مضى أنصار الله والقوى الثورية قدما في تحقيق أهداف الثورة.

مقابل كل تلك المواقف والمبادئ الثورية التي أصر أنصار الله الثبات وعدم التفريط بها، بدأت المؤامرات تحاك ضدهم في سلسلة من الأحداث وصولا إلى العدوان الذي اجتمع فيه العرب والعجم، على اختلاف أديانهم وألوانهم ليشنوا حربا ظالمة ضد الشعب اليمني، مستخدمين فيها كل أنواع الأسلحة المتطورة، والقنابل المحرمة دوليا، ناهيك عن حرب اقتصادية أشد فتكا بأبناء اليمن، وكل ذلك سعيا منهم لتركيع اليمنيين وإجبارهم على الخضوع والخنوع، وتصعير خدهم للأمريكان وأذنابهم، وهو ما لم ولن يحدث.

لكن ووسط كل هذا الركام التدميري الذي أحدثه ويحدثه العدوان السعودي الأمريكي في اليمن، يطل البعض برأسه ليقول كيف يدعي أنصار الله، كلما سبق، خاصة فيما يتعلق بمواقفهم من ثورة 11 فبراير، في الوقت الذي يتحالفون اليوم مع رأس النظام السابق (زعيم المؤتمر، علي صالح)؟!.

أعتقد أننا لسنا بحاجة للبحث إجابات عن مثل هكذا تساؤلات، إذ أن ما يتعرض له اليمن منذ عامين كفيل بالإيضاح والتفسير والتحليل لمن يفكر بالعقل لا بالعاطفة، فنحن في أنصار الله لا نجد شيئا في هذا يدعونا للتبرير ولأننا أصحاب موقف ومبدأ، فإن ما يجمعنا اليوم بـ(علي عبد الله صالح) هو العدوان، ووقوف (مؤتمر صالح) إلى جانبنا في خندق المواجهة موقف عظيم، يحسب لهم، وعدم قبولنا لمثل هكذا موقف، أعتقد أنه كان سيجعلنا نظهر كما لو أننا طرف غير مسؤول لا يهمه الوطن، بقدر ما يهمه الانتقام، وتسيطر عليه سلطة “الأنا”، وهذا ما لا نقبله على أنفسنا أو أن نبدو كذلك في كل الظروف.

بالمقابل، ماذا لو تأملنا مواقف الإخوان في المؤتمر؟، سنجد أنها التصقت بمواقف القوى الأخرى، بدءا من حروب صعدة الست، والمبادرة الخليجية، ومشروع ضرب الثورة التي وصل فيها الحد الاعتداء على شباب الثورة (مسيرة الحياة) تحت مبرر حكومة المبادرة الخليجية، مرورا برؤية المؤتمر في الحوار الوطني التي انسجمت إلى حد كبير مع رؤى القوى الأخرى، وفي كل القضايا ( القضية الجنوبية، وبناء الدولة، وعدد من القضايا الرئيسة) حتى في ما يتعلق بمشروع التفتيت (الأقاليم) كان الإخوان في المؤتمر وافقوا على هذا المشروع ضمن لجنة الأقاليم.

لكن، بغض النظر عن كل ذلك، فإن موقف المؤتمر من العدوان، موقف مشرف، ووطني، تاريخي، وأعتقد أنه سيعدل من رؤية الإخوان في المؤتمر في بقية القضايا التي كانوا انسجموا فيها مع رؤى القوى السياسية الأخرى.

واعتقد أن المعاناة التي جمعتنا والإخوان بالمؤتمر ليست بالمعاناة البسيطة التي يمكن تجاوزها أو نسيانها، خاصة وأن هذه المعاناة منحوتة على جدار الصمود التاريخي في وجه قوى الاستكبار العالمي، وربما ستكون منطلقا لبقية القضايا الأخرى، فمصلحة الوطن تعيد رسم خارطة التحالفات.

 

*عضو اللجنة التنظيمية لثورة الشباب 2011