(بايدن) ينبش قبر (خاشقجي) لمحاسبة (بن سلمان)

الهوية – (ملاك حمود):

لن تكون حماقة (بن سلمان)، هذه المرّة، من دون ثمن؛ فهو بات يعلم أن ( الخطيئة الأولى) ستبقى تلاحقه، طالما أُريد استثمارها لتحصيل الإدارة الأميركية (خوّاتها)، سواء جاءت على شكل أوامر بالتنازل عن العرش لن يستطيع الأمير الهروب منها، أو مجرّد ابتزاز مقونَن بسقوف محدّدة. لكن ما هو جليّ أن ثمّة ما تَغيّر في مقاربة العلاقات الأميركية – السعودية، الخاضعة، في الوقت الراهن، لتقييم (جو بايدن)، بعدما اطّلع، قبل يومين، على تقرير الاستخبارات المركزية الأميركية الذي يشير بوضوح إلى ضلوع وليّ العهد السعودي في مقتل (خاشقجي). وفي انتظار إماطة اللثام عن خلاصات هذا التقرير، بعد الاتصال الأوّل بين الرئيس الأميركي والملك السعودي (سلمان) ليل الخميس، سيتمدّد القلق في أرجاء المملكة، ليُبقي على (بن سلمان) أسير جريمةٍ تستغلّها الإدارات المتعاقِبة.

يوم الخميس، قال (البيت الأبيض) إن الرئيس الأمريكي (جو بايدن) تحدث إلى الملك السعودي (سلمان)، وأكد على أهمية حقوق الإنسان.

وقال (البيت الأبيض) إن (بايدن) (أكد على الأهمية التي توليها الولايات المتحدة لحقوق الإنسان وحكم القانون عالميا)، وإن (بايدن) أكد الالتزام الأمريكي بمساعدة السعودية في الدفاع عن نفسها أمام هجمات الجماعات المتحالفة مع إيران. وذلك قبيل نشر تقرير نُزعت عنه السرية عن مقتل الصحافي السعودي (جمال خاشقجي) في قنصلية بلاده في اسطنبول.

وبالتزامن مع اتصال (بايدن) بـ(سلمان)، أعلن نائبان ديمقراطيان بالكونغرس الأمريكي، أنهما سيقدمان مشروع قرار، لـ(محاسبة) السعودية على مقتل الصحفي (جمال خاشقجي) و(انتهاكات أخرى) لحقوق الإنسان.

ويقدم مشروع القرار النائبان الديمقراطيان (ديفيد ترون)، و(جيري كونولي)، حسبما نقلت شبكة (سي. إن. إن) الأمريكية.

إلى ذلك، قال المحلل الأمريكي (دينيس روس)، إن الرئيس (جو بايدن) يستخدم تقرير الإعلامي السعودي (جمال خاشقجي) لإرسال رسالة إلى السعودية وأيضا إلى الكونغرس.

وأوضح (دينيس) الذي يشغل حاليا منصب مستشار في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، قائلا: (تبعث برسالة للكونغرس واعتقد أيضا أنها الأسلوب الذي تقول فيه الإدارة الأمريكية للمملكة العربية السعودية لن نحميك من تبعات التصرفات السيئة، وعليه من الأفضل الابتعاد عن هذه التصرفات)، وفقا لشبكة (سي. إن. إن).

وتابع (دينيس): (أعتقد ان إدارة (بايدن) تريد توضيحا أن الآن هو يوم جديد بعد إدارة الرئيس (ترامب)، وأيضا إرسال رسالة إلى السعودية بأن العلاقات سيتم إعادة تعييرها).

هكذا تبدو العلاقات السعودية – الأميركية، ليست ما بعد (ترامب)، في أحسن أحوالها؛ فاختطاط إدارة (بايدن) مساراً جديداً لها لليّ ذراع وليّ عهد المملكة، (محمد بن سلمان)، ستكون له تداعيات ظرفية مِن مِثل ابتزاز هذا الأخير لاستحصال واشنطن ما تطال يدها من تنازلات تُعزّر التوجّهات الجديدة للبيت الأبيض في المنطقة، وأخرى يُحتمل أن تؤسِّس لمشهدٍ إقليمي (ربّما) لا يكون الأمير الشاب جزءاً منه حالَ قرار الولايات المتحدة رفع الغطاء عنه والتخلُّص من (عبء) يثقل كاهلها. لم تكن قضيّة اغتيال (جمال خاشقجي) لتنتهي بهذه البساطة، من دون أن تبادر الإدارة الوليدة إلى نبش ماضٍ قريب لم تتمكّن الرياض بعد من تجاوز تداعياته التي فاقمها نُطق القضاء السعودي، قبل أشهر قليلة، بأحكام ضدّ مجهولين، ارتأوا مناسباً ارتكابَ جريمةٍ مروّعة في ممثليّة دبلوماسية، فقتلوا مَن سمّوه (خروف العيد) وجزّأوا جثّته بدمٍ بارد قبل إذابتها بالأسيد، هكذا مِن تلقاء أنفسهم.

تقاطعت كلّ الروايات التي ظلّت تتأتّى تباعاً، عبر الإعلامَين التركي والأميركي، عند نقطة التقاء واحدة تضع وليّ العهد السعودي في صلب (حادثة القنصليّة)، لكنّ الغطاء الذي ظلّلت به إدارة (ترامب) لـ(بن سلمان)، منذ اللحظة الأولى لوقوع الجريمة، دفَع تهمة الاغتيال عنه وأبقاه على مسافة أمان من عرّابه في البيت الأبيض. وعلى رغم اقتناع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، (سي آي إيه)، ابتداءً، بمسؤولية الأمير الشاب عن مقتل الصحافي السعودي في قنصلية بلاده في إسطنبول يوم الثاني من أكتوبر 2018، كانت كلّ المؤشرات تدلّ على اتجاه الإدارة الأميركية إلى (طبخ) رواية مع الرياض تضع (بن سلمان) خارج دائرة الضوء، لاعتبارات عدّة، من بينها عدم الإضرار باستراتيجية البيت الأبيض إزاء إيران، وفق ما سُرِّب في حينه. ارتفاع الأصوات المطالِبة بتغيير الحكم في السعودية، وازدياد الضغوط على واشنطن في الأيام الأولى لـ(اختفاء) (خاشقجي)، أثارا مخاوف لدى البيت الأبيض من الالتهاء عن مسألة حزمة العقوبات الأولى ضدّ الجمهورية الإسلامية ما بعد الانسحاب من الاتفاق النووي، ما جعل اهتمام واشنطن والرياض مصبوباً على إنهاء القضيّة/ الفضيحة إعلاميّاً، بهدف إعادة التركيز على الملفّ الإيراني. اقتناع الاستخبارات بمسؤولية (بن سلمان) مردّه إلى سيطرة هذا الأخير الكاملة على أجهزة الأمن في بلاده، ما يجعل من المستبعد جدّاً تنفيذ عمليّة من هذا الوزن من دون علمه، فضلاً طبعاً عن وجود أعضاء تابعين له في فرقة الاغتيال الأمنية المؤلّفة من (15) شخصاً بقيادة (ماهر المطرب)، والتي قال القضاء السعودي، في أحكامه الأوّلية، إنها اجتهدت وقرّرت قتل الصحافي بعدما رفض التفاوض، ما فتح الباب لاحقاً أمام تبرئة كبار المسؤولين، وعلى رأسهم نائب رئيس الاستخبارات السابق (أحمد عسيري)، والمستشار المُقال في الديوان الملكي (سعود القحطاني)، الذي ذكرت صحيفة (وول ستريت جورنال) الأميركية، نقلاً عن تقييم (سي آي إيه)، أنه تلقّى قبل اغتيال (خاشقجي) واثناءه، وبعده (11) رسالة من (بن سلمان). في مطالعة الدفاع عن وليّ عهد المملكة، والتي تولّاها (ترامب) شخصياً، يُعدُّ التخلّي عن (بقرةٍ حلوب) ضرباً من الجنون. من هنا، جاء موقفه المساند للقيادة السعودية، لكونها (شريكاً راسخاً) للولايات المتحدة، (يدفع مبالغ طائلة) ثمن صفقات السلاح، فضلاً عن (دورها في خفض أسعار النفط العالمية). إعلان (ترامب) الذي قفز على محتوى تقرير وكالة الاستخبارات المركزية، كما كان متوقّعاً، لم يكن مستغرباً، لأن الأمر بالنسبة إليه (بمنتهى البساطة… أميركا أولاً… لن أدمّر اقتصاد العالم، ولن أدمّر اقتصاد بلادنا بالتصرّف بحماقة مع السعودية)، ودفعها إلى أحضان روسيا والصين.

ومع تبدُّل الرواية السعودية الرسمية حيال القضية مرّة تلو أخرى، ظلّت براءة (بن سلمان) وكلّ مَن يدور في فلكه الثابت الوحيد فيها، فيما بقيت خلاصة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية التي ربطت في استنتاجاتها وليّ العهد بالجريمة (وهي الخلاصات نفسها التي توصّلت إليها المقرّرة الأممية، (أنييس كالامار)، في تقريرها الصادر منتصف عام 2019)، في خانة السرّية، لحماية تحالف عائلة (ترامب – بن سلمان)، والذي كاد ينجح في تخطّي حالة السخط الدولي، لو حالف الرئيسَ السابق الحظُّ في ولايةٍ ثانية. إزاء ما تقدَّم، قرّرت الإدارة الجديدة تنفيذ وعدها برفع السرّية عن التقرير الذي كان يُفترض إماطة اللثام عنه أول أمس الخميس، قبل أن تُقدِم وزارة الخارجية الأميركية على إرجاء نشره. وفي حين لم تتّضح مسألة التأجيل حتى الآن، فإن نشر المحتوى غير السرّي، في هذا التوقيت، يحتمل هو الآخر سيناريو من اثنين: فإمّا التخلُّص من (بن سلمان)، أو ابتزازه لتحصيل تنازلات في غير ملفّ، واليمن وإيران ليسا إلّا على رأس قائمة الاهتمامات المستجدّة للإدارة الأميركية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى